عبد الوهاب الشعراني

28

تنبيه المغترين

يقول : لا يجد عبد صريح الإيمان حتى يعلم بأن اللّه تعالى يراه فلا يعمل سرا يفتضح به يوم القيامة ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : لو علمتم ما أغلق بابي عليه دونكم ما جلس أحد منكم حوله . ( قلت ) : وهذا من باب الهضم لنفسه والاتهام لها رضي اللّه عنه ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : قد غلب على القراء في هذا الزمان الرياء يظهرون للناس النسك والعبادة وباطنهم مشغول بالغل والحقد والشحناء لبعضهم وإذا كان لكم حاجة عند قارئ فلا تتشفعوا عنده بقارئ مثله يقسو قلبه عليكم ، ولكن تشفعوا عنده بأحد من الأغنياء فإنه أقضى لحاجتكم انتهى . وسيأتي الكلام على هذا الخلق في مواضع من هذا الكتاب ففتش نفسك يا أخي هل تساوت سريرتك وعلانيتك أم لا وأكثر من الاستغفار واعلم أن من أظهر للناس خلاف ما في باطنه فهو منافق يحشر غدا مع المنافقين فافهم ذلك والحمد للّه رب العالمين . كثرة الصبر ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة الصبر على جور الحكام وشهودهم أن ذلك دون ما يستحقونه بذنوبهم ، وكان صالح المري رحمه اللّه تعالى يقول : إذا لم تتساو سريرة الناس وعلانيتهم فلا يستغربون ما يحل بهم من أنواع البلايا والآفات ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه يقول : كان الحجاج الثقفي بلاء من اللّه وافق خطيئة ، وكان الإمام أبو حنيفة رضي اللّه تعالى عنه يقول : إذا ابتليت بسلطان جائر فخرقت دينك بسببه فرقعه بكثرة الاستغفار لك وله أيضا ، وقد كتب أخ لمحمد بن يوسف رحمه اللّه تعالى يشكو إليه من جور الولاة في بلاده ، فأجابه محمد بقوله : قد بلغنا كتابك ولا يخفى عن علمك يا أخي أنه ليس لمن عمل بالمعصية أن ينكر وقوع العقوبة ، وما أرى ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنب والسلام . وقد حبس هارون الرشيد رحمه اللّه تعالى رجلا ظلما فكتب إليه الرجل اعلم يا هارون أنه ما من يوم يمضي من حبسي وبؤسي إلا ويمضي من عمرك ونعيمك مثله ، والأمر قريب والحاكم بيني وبينك اللّه تعالى ، قال : فلما قرأها الرشيد خلى سبيله وأحسن إليه ، وقال : وجاءوا مرة بمال من السلطان لإبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى ليفرقه على الفقراء الذين يعرفهم فرده إبراهيم عليهم وقال : إذا حاسب اللّه تعالى الظالم يوم القيامة